كنت دوماً ما الاحظ والدي ما يسهب في التحدث عن ذكرياته بالتفصيل حتى
أنه يتذكر تفاصيل يومه الأول في المدرسة، على عكسي فأنا ذكريات طفولتي مبهمة لا أتذكر
منها إلا القليل لا أتذكر حتى في أي ابتدائية كنت أدرس فيها فقد درست بمدارس
مختلفة مما جعلني بطريقة لا اشعر بها لا أخلق أي ترابط بيني وبين أي مكان أتواجد به،
لربما كان نوعاً من الحماية التي يقوم عقلي اللاواعي بإظهارها أو ان نوع الحياة والروتين
الذي عشته كان متشابهاً لدرجة يجعل من ذكرياتي صعبة للتذكر!!. ولكن حتى وأن كنت لا أتذكر الكثير من التفاصيل
بحياتي ونشأتي عندما كنت طفلة صغيره الا ان عقلي يستجيب ويخزن الذكريات والمعلومات
بصورة اقوى مما أتصور وهذه حقيقة علمية مثبته ، أن ادمغتنا تعمل حتى عند نومنا وقرأت بحثاً حول هذا الموضوع
طرحه أستاذ في جامعة نورث وسترن للإطلاع على البحث ماذا يحدث لأدمغتنا أثناء النوم؟
نشأة الذاكرة:
منذ نشأتك الأولى عندما كنت رضيعاً معدماً أنت لا تعرف الا نفسك وتلك
الذكريات التي بدأت تتولد بأعماقك حول
الأمور التي مررت بها و الأحداث التي قامت بصقل كيانك، أن الذاكرة أقدم من وعي
الأنسان وإدراكه لو لم يملك الأنسان الأول
ذكرى خطورة مساس النار لما تكون لدينا الخوف منها أن الذاكرة تعد عامل مهم لتطورنا،
ونحن مسؤولين حتى عن هذا الأدراك الأول
الذي يرسم تكوينه بعقلنا وفي ذكرياتنا وهو إقرارنا بإثبات ربوبية الله عز وجل ، )وَإِذْ أَخَذَ
رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ
أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا
يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ) (172) الأعراف،
لو لم نكن ندرك لما كان إقرارنا محاسب عليه
و نحاج فيه من الخالق عز وجل ، حيث إن
فطرة الأنسان خُلقت سليمه ولكن البيئة تؤثر بها ، وهي بالطبع لا تعني بأننا مجبولين على أن ندرك بوعي كامل حيث إن الله أوجد النسيان كنوع من
أنواع الابتلاء لنا و اوجد فينا البصيرة لتكون مثل البوصلة لتوجيه أفعالنا حيث أن
قلوبنا تعقل أيضاً وتقوم بردعنا.
آلية عمل الذاكرة:
تنقسم الذاكرة البشرية على حسب رأي العلماء لثلاثة أقسام تتصل ببعضها
وهي:
الذاكرة الحسية: وهذا النوع يستقبل الذكريات عن طريق الحواس الخمس
ومدة تخزينها لا تتجاوز الثانيتين ومن ثم تقوم بنقلها إلى الذاكرة العاملة.
الذاكرة العاملة: تحتفظ هذه الذاكرة بالمعلومات بمدة 30 ثانية وتعتمد
على عملية التكرار في حال رغبتنا بحفظ المعلومة ونقلها للذاكرة طويلة الأمد.
الذاكرة طويلة الأمد: وهي الذاكرة المخزنة وتحتفظ بالمعلومات بشكل
دائم وتقوم بتقسيم المعلومات بأقسام مختلفة مثل الفهرس (مسار للأبحاث،2024).
لماذا لا أتذكر؟
ويكمن الجواب بطريقة عمل الذاكرة "الضمنية" و"الصريحة"،
الأولى تقوم بتخزين المعلومات ضمنياً ويطلق عليها الذاكرة اللاواعية وتشمل
هذه الذكريات أداء المهام اليومية البسيطة التي لا تحتاج لتفكير مثل ارتداء الملابس
وغيرها من المهام البسيطة أي أنها تخزن المعلومات التي لا نحاول تذكرها على عكس
الصريحة، والتي تظهر عند محاولتنا لتعمد تذكر شيء معين مثل قاعدة رياضية اخذتها
سابقاً أو أسم كتاب معين سبق و قرأته ،
وتقسم الذكريات الصريحة لنوعين وهي "الذاكرة العرضية" والتي تكون مخصصه
لذكريات طويلة المدى مثل ما فعلته بالليلة السابقة و ذكريات الأحداث المهمة التي حصلت لك، والنوع الأخر هي "الذاكرة
الدلالية ": وهي ذكريات التي تشمل
الحقائق مثل الأسماء و المفاهيم و المعلومات العامة الأخرى. (MSEd, 2024)
إذا تعرض طفلاً في الثالثة من عمره لصدمة مثل فقدان والدته سيقوم عقله بتخزين مشاعره السلبية مثل الخوف في ذاكرته الضمنية وعندما يكبر الطفل سيقوم بتفريغ هذه المشاعر بطريقة غير واعية في أي موقف يشابه نوع الصدمة التي ولدت تلك المشاعر لديه ولن يقدر بدوره على تحديد ماهية السبب وراء مشاعره لأنه لم يقوم بتخزين ذلك في الذاكرة الصريحة.
ومن هنا نستنتج بأن كل ذكريات الانسان بأكمالها تكون مخزنة بذاكرته الضمنية ، منذ نشأتك الأولى وأنت لا تزال برحم أمك يمكنك أن تسمع وتخزن كل ما حولك حيث أثبت العلماء علمياً بمقدرة الأنسان على السمع ابتداً بالشهر السابع من الحمل،
وفي النهاية وأكثر ما آثار قشعريرتي و اذهلني هو أنني أستوعبت حقيقة بأننا الآن في رحلة تذكر وليس تعلم أن الله عز وجل لما عاهد كل ذرية أدم عليه السلام لم يطلب منا بأن نحفظ العهد لأن الغاية ليست بالتذكر للمعلومه بشكل صريح وأن نسياننا لذالك العهد القديم لا يعني بأنه غير موجود بل لأنه وجد في ذاكرة أعمق وهي الفطره وميل النفس البشرية لخالقها سبحانه وتعالى.
تعليقات
إرسال تعليق